ابن كثير
22
البداية والنهاية
أكيدر بن عبد الملك ، رجل من بني كنانة ( 1 ) كان ملكا عليها وكان نصرانيا ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد " إنك ستجده يصيد البقر " فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين ، وفي ليلة مقمرة صائفة ، وهو على سطح له ومعه امرأته ( 2 ) . وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر ، فقالت له امرأته : هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال : لا والله ، قالت : فمن يترك هذا ؟ قال : لا أحد فنزل فأمر بفرسه ، فأسرج له ، وركب معه نفر من أهل بيته ، فيهم أخ له يقال له حسان ، فركب وخرجوا معه بمطاردهم ( 3 ) . فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي صلى الله عليه وسلم فأخذته وقتلوا أخاه وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب ، فاستلبه خالد فبعث به ( 4 ) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه ، قال : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتعجبون من هذا [ فوالذي نفسي بيده ] ( 5 ) لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا " . قال ابن إسحاق : ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حقن له دمه فصالحه على الجزية ، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته ( 6 ) ، فقال رجل من بني طئ يقال له بجير بن بجرة في ذلك : تبارك سائق البقرات إني * رأيت الله يهدي كل هاد فمن يك حائدا عن ذي تبوك * فإنا قد أمرنا بالجهاد وقد حكى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهذا الشاعر " لا يفضض الله فاك " فأتت عليه سبعون ( 7 ) سنة ما تحرك له فيها ضرس ولا سن . وقد روى ابن لهيعة عن أبي الأسود ، عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة فذكر نحو ما
--> ( 1 ) في ابن هشام : رجل من كندة ، قال الواقدي وهو ابن عبد الملك بن عبد الجن . ( 2 ) اسمها الرباب بنت أنيف بن عامر من كندة ( قاله الواقدي ) . ( 3 ) المطارد : جمع المطرد ، وزن منبر ، وهو رمح قصير يطرد به ، وقيل يطرد به الوحش ( اللسان ) . ( 4 ) بعثه مع عمرو بن أمية الضمري . ( 5 ) من ابن هشام ومغازي الواقدي . ( 6 ) قال الواقدي وابن سعد وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله كتابا فيه أمانهم وما صالحهم وختمه يومئذ بظفره ونصفه : " بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى الاسلام وخلع الأنداد والأصنام ، مع خالد بن الوليد سيف الله ، في دومة الجندل وأكنافها . وان لنا الضاحية من الضحل ، والبور ، والمعامي ، وأغفال الأرض ، والحلقة ، والسلاح والحافر والحصن ، ولكم الضامنة من النخل ، والمعين من المعمور بعد الخمس ، لا تعدل سارحتكم ولا تعد فاردتكم ، ولا يحظر عليكم النبات ، ولا يؤخذ منكم عشر البتات تقيمون الصلاة لوقتها ، وتؤتون الزكاة لحقها . عليكم بذلك العهد والميثاق ، ولكم بذلك الصدق والوفاء ، شهد الله ومن حضر معه من المسلمين . " . ( 7 ) في دلائل البيهقي ج 5 / 251 : تسعون سنة .